خليل الصفدي
47
أعيان العصر وأعوان النصر
وكان يتردد إلى حلب وحماة ، ودمشق ويعد إلى ماردين ، ويعرج على بغداد . ولم يزل على حاله ، إلى أن كدر الموت على الصفي عيشه ، وأنساه خرقه وطيشه . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - تخمينا سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة . ومولده يوم الجمعة الخامس من شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وستمائة . وقلت أنا فيه : ( الرمل ) إنّ فنّ الشّعر نادى * في جميع الأدباء أحسن اللّه تعالى * في الصّفي الحلّي عزائي وأنشدني من لفظه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة « 1 » : ( الكامل ) يا سائلي عن رتبة الحلّي في * نظم القريض ، وراضيا بي أحكم للشّعر حلّيان ذلك راجح * ذهب الزّمان به وهذا قيّم وكان قد دخل إلى مصر في سنة ست وعشرين وسبعمائة تقريبا ، وأظنه وردها مرتين ، ومدح القاضي علاء الدين بن الأثير بعدة مدائح ، وأقبل عليه كثيرا ، ودخل به إلى السلطان الملك الناصر ، وقدّم مديحه ، واجتمع بالشيخ فتح الدين وبأثير الدين ، وبمشايخ ذلك العصر ، ولما دخلت بعده وجدتهم يثنون عليه . وأما الصدر المعظم شمس الدين عبد اللطيف - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - فكان يظن - بل يعتقد - أنه ما نظم الشعر أحد مثله ، لا في المتقدمين ولا في المتأخرين مطلقا . واجتمعت أنا به في الباب وبزاعة من بلاد حلب في مستهل ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ، كنا في الصيد مع الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - ، وأجاز لي بخطّه جميع ما له من نظم ونثر ، وتأليف مما سمعته منه وما لم أسمعه ، وما لعله يتّفق له بعد ذلك التاريخ على أحد الرائين ، وما يجوز له أن يرويه سماعا وإجازة ، ومناولة ، ووجادة بشرطه . وأنشدني من لفظه لنفسه في التاريخ والمكان : ( المجتث ) للتّرك ما لي ترك * ما دين حبّي شرك حواجب ، وعيون * لها بقلبي فتك كالقوس تصمي ، وهذي * تشكي المحبّ ، ويشكو وإذا العداة أرتك فر * ط مذلّة فإليك عنها
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في موضعها من حرف الميم .